
وكالة برنا للأنباء، لم تعد الألعاب مجرد هواية، بل أصبحت صناعة استراتيجية تُسهم في بناء الثقافة، وتنمية الاقتصاد، وتعزيز القوة الناعمة. مع ذلك، لا يزال بعض السياسيون في إيران ينظرون إلى هذه الصناعة على أنها هواية فقط، مما جعل البلاد واحدة من أكبر أسواق استهلاك الألعاب الأجنبية، وفي الوقت نفسه، شهدت هجرةً علنية وسرية للكفاءات الماهرة في هذا المجال.
في حين تُظهر تجربة دول مثل الصين أنه من خلال وضع سياسات هادفة ومبنية على البيانات، يُمكن تحويل صناعة استهلاكية إلى محرك لخلق الثروة وتعزيز النفوذ الثقافي.
صناعة الألعاب في إيران: طاقة إنتاجية كبيرة، استغلال محدود
أنه وفقًا لأحدث استطلاع أجرته المؤسسة المذكورة، فإن أكثر من 29 مليون إيراني، أي ما يعادل 35% من سكان البلاد، يلعبون الألعاب الرقمية. ويبلغ متوسط أعمار هؤلاء اللاعبين 29 عامًا، ويلعب كل لاعب منهم 83 دقيقة يوميًا في المتوسط. تُشير هذه الأرقام بوضوح إلى أن الألعاب الرقمية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للجيل الشاب، ولم تعد مجرد هواية هامشية.
كما يتطلب وضع أي سياسات فعّالة أولًا صورة دقيقة ومبنية على البيانات للوضع الراهن لصناعة الألعاب الرقمية في إيران. تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة الوطنية لألعاب الحاسوب أن الألعاب الرقمية أصبحت من أكثر الأنشطة الثقافية والإعلامية انتشارًا في البلاد؛ وهو إمكانات هائلة لم تُؤخذ على محمل الجد بعد على مستوى صنع القرار الوطني.
البنية التحتية والمحتوى: حاجتان أساسيتان
مع انتشار الأجهزة الذكية، لم تعد الألعاب مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت منصة للتفاعل الاجتماعي، والهوية، والاستهلاك الثقافي. في ظل هذه الظروف، يمكن تلخيص الاحتياجات الأساسية لمجتمع اللاعبين ومطوري الألعاب في محورين: الوصول المستقر إلى الإنترنت عالي السرعة، والوصول إلى محتوى عالي الجودة وتنافسي.
بالنظر إلى أن حوالي 58% من اللاعبين الإيرانيين يلعبون عبر الإنترنت، فإن انقطاع الإنترنت يؤثر بشكل مباشر على هذا المجال. وقد أظهرت تجربة قطع الإنترنت أو تقييده في أوقات مختلفة أن هذا التحدي يُعدّ أحد أهم العقبات التي تعترض نمو صناعة الألعاب في البلاد؛ عقبة تُلحق ضرراً بالغاً ليس فقط بالمستخدمين، بل أيضاً بالمطورين المحليين.
إيران: سوق ضخمة، إنتاج محدود
يكشف تحليل سوق الألعاب في ايران عن تناقض هيكلي: استهلاك مرتفع للغاية مقابل إنتاج محدود للغاية. يُقدّر إجمالي عائدات صناعة الألعاب في البلاد بأكثر من 70 تريليون تومان، ولكن من هذا المبلغ، أُنفِق حوالي 69 تريليون تومان على شراء أجهزة وبرامج أجنبية. هذا يعني أن غالبية القيمة المضافة لهذا السوق تُهدر.
من بين أكثر 10 ألعاب شعبية في إيران، لعبة واحدة فقط تُنتَج محلياً؛ إحصائية تُشير بوضوح إلى تردي السوق. حيث لم تتمكن الألعاب المحلية من منافسة النماذج العالمية من حيث الجودة والتنوع والجاذبية، ونتيجة لذلك، اتجه اللاعبون بطبيعة الحال إلى المنتجات الأجنبية.
حلقة مفرغة لصناعة الألعاب المحلية
يُعيد هذا الوضع إنتاج حلقة مفرغة: حصة سوقية صغيرة ← استثمار محدود ← جودة منتجات أقل ← انخفاض جاذبيتها للمستخدمين ← هيمنة أكبر للألعاب الأجنبية. في ظل هذه الظروف، تبدو صناعة الألعاب محفوفة بالمخاطر وغير جذابة للمستثمرين. لكن المشكلة لا تقتصر على رأس المال فقط، إذ تواجه الصناعة سلسلة من التحديات الهيكلية؛ من ضعف البنية التحتية وهجرة البشرية إلى التعقيدات التنظيمية والافتقار إلى استراتيجية مستدامة وقابلة للتنبؤ.
الهجرة: المادية وغير المادية
لا تقتصر هجرة مطوري الألعاب على المغادرة الفعلية للبلاد. يُعد التعاون الحر مع الشركات الأجنبية شكلاً آخر من أشكال الخروج ذي القيمة المضافة؛ حيث يضع الخبراء، حتى وإن كانوا موجودين فعلياً في إيران، معارفهم وقدراتهم في خدمة اقتصاد تطوير الألعاب في بلدان أخرى.
لقد زادت العقوبات الدولية من جهة، والتحديات التي تفرضها اللوائح المحلية من جهة أخرى، من تعقيد بيئة عمل مطوري الألعاب. لطالما اشتكى نشطاء الصناعة من طول إجراءات الترخيص وغموضها، وعمليات التدقيق التعسفية، والالتباس في نظام تصنيف الأعمار؛ وهي عوامل يرون أن الهيئة الإدارية تُشكل عائقًا أكثر منها سندًا.
سياسات متأخرة عن التطورات
لم تواكب السياسات في مجال الألعاب الرقمية التطورات السريعة في هذه الصناعة. وقد أدى وجود مؤسستين رئيسيتين - المجلس الأعلى للثورة الثقافية والمجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني - إلى تشتت عملية صنع القرار. ويعود آخر إطارسياسي في هذا المجال إلى عام ٢٠١٥، حين كان سوق الألعاب يتمتع بهياكل وتقنيات وحتى نماذج إيرادات مختلفة تمامًا.
على مدى العقد الماضي، جعل النمو الهائل لألعاب الهاتف المحمول، وتقلبات العملة، والتطورات التكنولوجية، هذا الإطار غير فعال عمليًا. ومع ذلك، لم تُستكمل بعد مراجعة جادة لهذه السياسات، ولا حتى النظام الأساسي للمؤسسة الوطنية للألعاب - الذي وُعد به لسنوات.
ما سر نجاح الصين؟
كانت الصين في السابق تُعاني من وضعٍ مُشابه لوضع إيران: سوق استهلاكية ضخمة، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المنتجات الأجنبية. لكن البلاد غيّرت مسارها بتحول استراتيجي واعٍ، وأصبحت اليوم واحدة من أكبر قوى صناعة الألعاب في العالم من حيث الإيرادات، وعدد اللاعبين، وصادرات المحتوى.
استند جوهر استراتيجية الصين إلى ازدواجية محسوبة: رقابة حكومية صارمة إلى جانب دعم مُوجّه للقطاع الخاص. فمن خلال نظام ترخيص صارم، منعت الصين دخول الألعاب الرديئة على نطاق واسع، وحوّلته إلى أداة لمراقبة الجودة. كما أجبرت القيود الصارمة المفروضة على اللاعبين القاصرين، والرقابة على نماذج الإيرادات، الشركات على التركيز على الجودة الأساسية للعبة - القصة، والتصميم، وتجربة المستخدم - بدلًا من الاعتماد على الإدمان.
أدى هذا الضغط التنظيمي إلى إخراج الألعاب الضعيفة من السوق، وهيّأ الشركات الصينية للمنافسة في السوق العالمية. وفي الوقت نفسه، استثمرت الحكومة الصينية بكثافة في البنية التحتية التكنولوجية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، ومحركات الألعاب الأصلية، ومنصات التوزيع.
الدعم الذكي، لا التحرير الكامل
شكّل الحظر المفروض على أجهزة الألعاب الأجنبية لمدة 15 عامًا فرصة ذهبية لنمو صناعة ألعاب الحاسوب والهواتف المحمولة في الصين. وقد حمت هذه السياسة الشركات الصينية الناشئة من المنافسة غير المتكافئة مع الشركات العالمية العملاقة خلال سنواتها التأسيسية الحاسمة، مما مكّنها من السيطرة على سوق الهواتف المحمولة.
ومن بين عوامل نجاح الصين الأخرى: التركيز على بناء عدد قليل من الشركات الوطنية القوية ذات الرؤية العالمية، ودعم المشاريع الضخمة ذات الأهمية الثقافية، والسعي لإنتاج "منتج عالمي" بدلًا من عدد قليل من المنتجات المحلية البحتة.
وتُظهر تجربة الصين أن النجاح في صناعة الألعاب ليس نتيجة للتحرير الكامل أو مجرد السيطرة، بل هو نتاج مزيج ذكي من التنظيم والدعم والبنية التحتية والرؤية الاستراتيجية. ويمكن أن يُسهم تطبيق هذه التجربة - لا بالتقليد الأعمى، بل بتكييف السياسات مع السياق المحلي - في إنعاش إحدى أهم الصناعات الثقافية في البلاد؛ وهي صناعة يرتبط مستقبلها، أكثر من أي شيء آخر، بقرارات صانعي السياسات اليوم.
" انتهى"