هل طرأ تغيير في الخريطة الاقتصادية العالمية؟ الهند وأوروبا في مواجهة الاضطرابات العالمية! ‌

|
۲۰۲۶/۰۲/۰۱
|
۱۷:۰۰:۰۳
| رمز الخبر: ۱۴۲۳
يمثل توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي أكبر اتفاقية تجارية منذ عقود، وقد يُعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية العالمية.

هل طرأ تغيير في الخريطة الاقتصادية العالمية؟ الهند وأوروبا في مواجهة الاضطرابات العالمية!‌

وأفادت وكالة برنا للأنباء، إن توقيع هذه الاتفاقية، التي وصفها رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" بأنها "أم الاتفاقيات"، ليس مجرد خبر اقتصادي، بل هو تحول استراتيجي في بنية التجارة الدولية. وتأتي هذه الاتفاقية، ثمرة مفاوضات معقدة استمرت قرابة عقدين، في وقت تتصاعد فيه الحروب التجارية وتتغير فيه سلاسل التوريد العالمية.

ويمثل الطرفان معا  نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (ما يعادل 27 تريليون دولار تقريبًا) وسوقًا استهلاكية محتملة تضم نحو ملياري نسمة، أظهرا عزمهما على الحد من التبعية الاقتصادية الأحادية وبناء مسار أكثر استقرارًا في مواجهة التقلبات الجيوسياسية. ومن المتوقع أن يرتفع حجم التجارة الثنائية، الذي تجاوز 136 مليار دولار، بنسبة 50% مع تطبيق هذه الاتفاقية.

ومن الناحية الفنية والاقتصادية، يرتكز جوهر الاتفاقية على إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية بشكل كبير. وتشير التقارير إلى أن الاتحاد الأوروبي نجح في خفض رسوم التصدير إلى الهند بنسبة 96% على مجموعة واسعة من السلع. وسيُعزز هذا الخفض الجمركي بشكل كبير الصناعات الأوروبية الرئيسية التي واجهت عوائق تجارية كبيرة في السوق الهندية لسنوات.

وتشمل أهم هذه القطاعات صناعة السيارات (وخاصة السيارات الفاخرة وقطع غيارها)، والمنتجات الصيدلانية المتقدمة، والآلات الصناعية، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية الحاصلة على مؤشرات جغرافية محمية أوروبية. وسيؤدي تسهيل الوصول إلى سوق الطبقة المتوسطة الهندية الضخمة والمتنامية بتكلفة أقل إلى زيادة تنافسية الشركات الأوروبية بشكل ملحوظ مقارنة بمنافسيها الأمريكيين والآسيويين.

كما ستجني الهند فوائد جمة من هذه الاتفاقية. ويتمثل الإنجاز الأهم لـ "نيودلهي" في زيادة انفتاح سوق الاتحاد الأوروبي أمام صادراتها من الخدمات والسلع. وستواجه قطاعات مثل خدمات تكنولوجيا المعلومات، والأدوية الجنيسة، والمنسوجات والملابس، وبعض المنتجات الزراعية الهندية (مثل أرز بسمتي والتوابل) عوائق جمركية أقل. لن يُسهم هذا في نمو صادرات الهند فحسب، بل يُعدّ خطوةً هامةً نحو تحقيق طموحها في أن تصبح "مركزًا عالميًا للتصنيع والتصدير".

ومن خلال استقطاب المزيد من رؤوس الأموال والتكنولوجيا الأوروبية، تأمل الهند في ترسيخ مكانتها كبديلٍ موثوقٍ به في سلسلة التوريد العالمية، إلى جانب دولٍ مثل الصين أو حتى استبدالها.

لكن أهمية الاتفاقية لا تقتصر على الأرقام الاقتصادية فحسب، بل يجب تحليلها في سياق أوسع يشمل الجغرافيا السياسية والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. ويسعى الاتحاد الأوروبي، الذي استُهدف بدوره برسومٍ جمركيةٍ عقابيةٍ بنسبة 15% فرضها "دونالد ترامب"، بوضوحٍ إلى تنويع شركائه التجاريين والحدّ من هشاشته الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الهند، التي تواجه رسومًا جمركيةً أمريكيةً بنسبة 50% على بعض منتجاتها، إلى إيجاد أسواقٍ جديدةٍ وآمنة. لذا، تُعدّ الاتفاقية استجابةً استراتيجيةً مشتركةً لتنامي النزعة الحمائية لدى واشنطن. ويعكس هذا التقارب الظهور التدريجي لأقطابٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ لا تتناسب بالضرورة مع أنماط التحالفات التقليدية.

ولقد سلك الاتحاد الأوروبي بالفعل مسار التنويع نفسه بتوقيعه اتفاقية تجارية مع كتلة "ميركوسور" في أمريكا الجنوبية بعد 25 عامًا من المفاوضات، وإعادة تعريف علاقته الاقتصادية مع الصين في إطار استراتيجية -تقليل المخاطر-. وتُعدّ الاتفاقية مع الهند حلقةً مهمةً أخرى في هذه الاستراتيجية الشاملة. فمن وجهة نظر "بروكسل"، لا تُمثّل الهند سوقًا ضخمةً فحسب، بل شريكًا ديمقراطيًا ذا قيم مشتركة نسبيًا، قادرًا على لعب دورٍ في ميزان القوى مع الصين.

أما بالنسبة للهند، فإن تعزيز العلاقات مع أوروبا يعني الوصول إلى التقنيات المتقدمة، وزيادة مصداقيتها الدولية، وتعزيز مكانتها كقوة عالمية مستقلة. وقد يُؤثّر التنفيذ الكامل لهذه الاتفاقية، الذي يتطلّب موافقة نهائية من البرلمان الأوروبي والمؤسسات الهندية، على خريطة التجارة العالمية لعقودٍ قادمة، مُوجّهًا تدفق رؤوس الأموال والسلع والابتكار نحو مسارات جديدة.

*انتهى*

رأيك